صبحي الصالح
142
مباحث في علوم القرآن
بيان سبب النزول في جميع الأحوال ، بل فيها النص الواضح ، وفيها ما يحتمل السبب وسواه . فإذا صرح الراوي بلفظ السبب فقال : ( سبب نزول هذه الآية كذا ) ، أو أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة نزول الآية بعد سرده حادثة ما أو ذكره سؤالا طرح على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( حدث كذا أو سئل عليه السلام عن كذا فنزلت آية كذا ) فذلك نص واضح في السببية . وأما إذا اكتفى بقوله ( نزلت هذه الآية في كذا ) فإن العبارة تحتمل مع السببية شيئا آخر هو ما تضمنته الآية من الأحكام . قال الزركشي في « البرهان » : « قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : ( نزلت هذه الآية في كذا ) فإنّه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أنّ هذا كان السبب في نزولها . وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند ، وكذلك مسلم وغيره ، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال والتأويل ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع » « 1 » ، ولذلك لو قال راو : نزلت هذه الآية في كذا وقال آخر : نزلت في غير ذلك ، فإن كان اللفظ يحتمل كلا القولين حمل عليهما ، ولا تناقض في ذلك ، وإلا تعيّن ما يدل عليه اللفظ ويساعد السياق على فهمه . وأما إذا قال أحد الراويين : ( نزلت الآية في كذا ) بهذا النص الصريح ، فإن المعول عليه ما كان نصا ، فهو أولى بالتقديم مما كان محتملا . وقد تتعدد الروايات في سبب نازل واحد من القرآن ، وتؤدى تلك الروايات بألفاظ صريحة في إفادة السببية ، فللعلماء في مثل هذه الحال مقياس دقيق يرجحون به إحدى تلك الروايات أو يوفقون بينها توفيقا سائغا مقبولا . فإن جاءت روايتان كلتاهما صحيحة ، ولم نستطع ترجيح إحداهما جمعنا بينهما وحملنا الأمر على وقوع سببين نزلت الآية بعدهما معا . مثال ذلك ما
--> ( 1 ) هذه عبارة الزركشي في « البرهان » 1 / 31 - 32 ، وقد اختصرها السيوطي في الاتقان 1 / 53 .